التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نتشابه لكننا نختلف


ليس من السهل أبداً أن تقترب من أرواح تعلّقت بها، ثم تجد نفسك فجأة تبتعد دون سبب واضح تفهمه أو تبرير يطمئن قلبك. كل المؤشرات تقول إن الحياة تغيّرت، والظروف بدّلت الناس، والتجارب أعادت تشكيل النفوس من الداخل. فالفكر يتبدّل، والمشاعر تنضج أو تذبل، وحتى التكوين النفسي والجسدي يترك أثره على طريقة الإنسان في الشعور والتفكير.

وهكذا يتغيّر الأشخاص… صديق كان قريبًا، أو أخ، أو قريب…ليس لأن المحبة انتهت، بل لأن الإنسان نفسه لم يعد هو الإنسان وتعود طريقة التفاعل باردة، باهتة الملامح، بلا هوية واضحة… كأنها محاولة يائسة لإنعاش جسدٍ فقد روحه منذ زمن، حركة بلا حياة، وكلمات بلا دفء، وحضور لا يُشبه الحضور. 

أنهكتنا التفاصيل من حولنا، حتى بلغنا مرحلةً لا نرجو فيها القرب إلا لأداء واجب، نحضر بأجسادنا… وتبقى أرواحنا على مسافة. ثم نغادر سريعًا إلى ذواتنا، نحمل معنا صمتًا أثقل من الكلام، وتعبًا لا يظهر على الملامح، وفراغًا لا يملؤه أحد.

صرنا نؤدي الحياة أكثر مما نعيشها، ونجامل الشعور بدل أن نشعر، وكأن ما تبقّى فينا طاقةٌ محدودة نحافظ عليها للنجاة… لا للمحبة، حتى صرنا نعتذر عن أشياء كنا نتشبث بها يومًا، ونؤجل مشاعرنا كما تؤجَّل المواعيد غير المهمة نعم نؤجل مشاعرنا ونحافظ على سبل كتمانها.

تعلّمنا كيف نبتسم باختصار،كيف نختصر الحكايات، وحتى العبارات المختصره تحولت لمفردات جامده أكثر اختصار ومقيده بالوقت والانشغال.

مؤلم أن نهزّ رؤوسنا موافقةً دون أن يمرّ الكلام على قلوبنا. صرنا نخاف العمق لأنه يرهق، ونختار السطح لأنه آمن وسهل المغادره، بل أن السطح يُشبهنا لأنه لا يطالبنا بشيء.


وفي الداخل، تتكدّس أشياء لم تُقال، وعتاب لم يجد طريقه، وشوق تعلّم الصمت حتى نسي صوته.

حقيقة  نحن وصلنا لمرحلة الوعي المتعب والذكاء العاطفي الدقيق لم نعد نهرب من الناس بل نهرب من الإحساس الذي يوقظنا بعد كل لقاء بالأخرين وقد يروننا لكننا لا نراهم بسبب غشاء شكلته رواسب الضغوط  

أننا لم نعد كما كنّا، وأن المسافة التي بيننا وبين الحياة تكبر بهدوء… دون أن ينتبه أحد.



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

لم تكن وردة عادية

 

الانتقال الفصلي نال منيّ

أفقتُ من وعكةٍ صحيةٍ مرّت بي قبل ثلاثة أيام، تاركةً خلفها ذلك الإرهاق الخفيف الذي يشبه بقايا عاصفة هدأت لتوّها. وكعادتي كلما أصبتُ بالإنفلونزا، أنسحب من صخب الحياة إلى زاويةٍ هادئة، أكتفي فيها بصحبة الفيتامينات، والغذاء الصحي، وشيءٍ من العزلة الاختيارية.  خلال هذه الأيام، يتغيّر إيقاعي تماماً أبطئ خطواتي، وأقلّص التزاماتي، وكأنني أوقّع هدنة مؤقتة مع العالم. لا أطلب الكثير، فقط سرير مريح وكنبة تحتويني، ومتابعة متأنية للأخبار السياسية التي يبدو أنها هذه الفتره أكثر إزعاجًا من ضجيج الجسد المتعب لكنها من دواعي الضروريات المفتونه بها لا بطله. أعيش ما يشبه "مرحلة المسنين" لا بمعناها السلبي، بل بحكمتها الهادئة مثل الإصغاء للجسد، احترام حاجته للراحة، وعدم استعجال التعافي. أتنقّل بين السرير والكنبة، وأراقب الوقت وهو يمر ببطء، كل ذلك يحدث بطمأنينة غريبة. ربما تحمل هذه الوعكات في طيّاتها درسًا خفيًا أن نهدأ قليلًا، أن نعيد ترتيب أولوياتنا، وأن نتذكر أن الصحة ليست أمراً مُسلماً به، بل نعمة تستحق الامتنان في كل حين. ومع انحسار الأعراض، يعود النشاط تدريجيًا، كأن الحياة تفتح بابها من جد...